الشيخ محمد النهاوندي
20
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أعراضهم » « 1 » فظهر من ذلك أنّه لا يحرم ذكر مساوئ غير المؤمن وغير المميّز ، بل غير البالغين ، لانصراف الأخ في الآية والأخبار إليهم ، وإن الاحتراز أحوط ، وكذا غير المتستّرين ، فمن كان عيبه ظاهرا ، أو بفسقه متجاهرا فلا غيبة له في عيوبه الظاهرة ، وما تجاهر به لتوصيف المذكور بما ستره اللّه عليه ، ولمّا روي « أنّ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له » « 2 » . بل إطلاق الرواية تدلّ على جواز غيبة المتجاهر بفسق في غير ما تجاهر به . وكما أنّه تحرم الغيبة يحرم استماعها ، لما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : « المغتاب والمستمع شريكان في الاثم » « 3 » . والظاهر منه ومن غيره من الأخبار أنّ ذكر عيب شخص لا يكون غيبة إذا لم يكن له مستمع ، فانّ الظاهر من الأدلة حرمة كشف العورة وهتك ما ستره اللّه ، ومنه يظهر اشتراط كون المغتاب بالفتح معروفا عند المستمع ، فانّ ذكر عيبه لا يكون كشفا للمستور ، إلّا إذا كان معروفا بالتفصيل أو بالاجمال في المحصورين كالاثنين والثلاث ونظائرهما ، وكذا عدم اختصاصه بالذكر باللسان ، بل يعم ذلك والكتابة والإشارة ، ولا بالتصريح بل تعمّ التعريض والكناية ، ولا يعتبر في حرمتها قصد الازراء والتنقيص والذمّ . نعم ، إذا صدرت بتلك المقصود ، كانت حرمتها أشدّ وآكد ، وكذا لا فرق بين كون العيب المذكور في بدنه أو خلقه أو نسبه أو فعله أو قوله أو دينه أو أمور دنياه حتى ثوبه أو داره ، كلّ ذلك إذا لم يكن ظاهرا مكشوفا لمن رآه ، أو للمستمع . وإذا احتمل المستمع جواز الغيبة في حقّ المغتاب بالكسر ، لظهور العيب أو للتجاهر أو لكونه مظلوما أو غير ذلك ، كان عليه حمل فعله على الصحة والجواز ، فلا يحرم عليه استماعها ، لتلازم جواز الغيبة وجواز استماعها ، وكذا العكس ، وإنّما صدّر الآية بالخطاب للمؤمنين تنبيها على أنّ امتثال الأحكام المذكورة من لوازم الايمان . ثمّ لمّا نهى سبحانه عن سوء الظّن بالمؤمنين وتنقيصهم بالظّن فضلا عن الشكّ والترديد ، وكان مجال أن يقول أحد : إذا ظننّا بهم سوء ان نتفحّص عن واقع أمرهم حتى نتيقّن بما ظننّا ، ثمّ نقول فيهم باليقين ، نهى سبحانه عن التجسّس والتفحّص عن معايبهم وزلّاتهم ، وتحصيل العلم بها ، ثمّ نهى عن ذكر ما علم اتفاقا أو حصّله عصيانا . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 )
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 89 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 90 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 89 .